هل نحن بصدد صناعة طبقة امتيازات فوق مؤسسات الدولة؟

23. يونيو 2026 - 12:27

حين يُطلب من الضابط السامي المتقاعد الابتعاد عن العمل السياسي مقابل مخصصات مالية دائمة وتعيينات استشارية وتعويضات معتبرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن قيمة الضباط ولا عن مكانتهم، فذلك أمر محسوم، وإنما عن مبدأ العدالة بين جميع من خدموا الدولة.
لا أحد ينكر ما قدمته القوات المسلحة من تضحيات جسام في سبيل حماية الوطن وصون أمنه واستقراره، لكن الدولة العادلة لا تُقاس بمدى تكريم فئة بعينها، بل بمدى إنصافها لجميع أبنائها الذين حملوا أعباء المسؤولية في مختلف المواقع.
فكما وقف العسكري في الثكنة دفاعاً عن الوطن، وقف القاضي في محراب العدالة، والوالي في الميدان، والسفير في الخارج، والمدير والإداري في خدمة المرفق العام، وضباط الصف والجنود في الصفوف الأمامية. جميعهم أدوا واجبهم الوطني، وجميعهم يستحقون التقدير والإنصاف.
إن تكريس امتيازات دائمة لفئة محددة دون غيرها يبعث برسالة غير مريحة مفادها أن بعض خدام الدولة أكثر استحقاقاً من غيرهم، وهو ما يتعارض مع روح الجمهورية التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. فالوطن لا يُبنى بطبقات متميزة، وإنما بمؤسسات عادلة يشعر الجميع داخلها بأنهم شركاء في التضحية وشركاء في التكريم.
وإذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي الاستفادة من خبرة كبار الضباط بعد التقاعد، فإن المصلحة نفسها تقتضي الاستفادة من خبرات كبار القضاة والدبلوماسيين والإداريين والأطباء والمهندسين وغيرهم من أطر الدولة الذين راكموا تجارب لا تقل أهمية في بناء الوطن وإدارة شؤونه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس نقص الموارد، بل شعور المواطنين والعاملين فيها بأن العدالة توزع بميزانين مختلفين. فحين يشعر المتقاعد البسيط، أو ضابط الصف، أو الموظف الذي أفنى عمره في الخدمة العامة، بأن هناك من يتمتع بامتيازات استثنائية لمجرد موقعه السابق، فإن ذلك يفتح باب التساؤل حول مفهوم الإنصاف وتكافؤ الفرص.
نحن مع تكريم العسكريين، بل ومع تكريم كل من خدم الوطن بإخلاص، لكننا ضد تحويل التكريم إلى امتياز دائم، وضد إنشاء طبقة خاصة داخل الدولة، مهما كانت المبررات. فالجمهورية لا تعرف أبناءً من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية، والحق لا يكتمل إلا إذا شمل الجميع.
فالعدل أساس الدولة، والمساواة صمام أمانها، وأي سياسة تُشعر فئة بأنها أقرب إلى الامتياز من غيرها، تستحق النقاش والمراجعة قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تصحيحه.
محمد المختار محمد لفظيل

إعلانات