
في خطوة سياسية بامتياز، وتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخ المملكة المغربية، استقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس، يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعينها بمقتضى الفصل 47 من الدستور رئيسة للحكومة مكلفاً إياها بتشكيل الحكومة الجديدة. هذا الإعلان المنبثق عن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، لم يكن مجرد إجراء سياسي روتيني، بل هو إعلان صريح عن دخول المغرب مرحلة جديدة تتصدر فيها المرأة المشهد التنفيذي كأول رئيسة للحكومة في تاريخ البلاد.
ولم يأتِ هذا التتويج من فراغ، بل كان ثمرة لاستحقاقات انتخابية أفرزت فوز حزب الأصالة والمعاصرة وتصدره للانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر الجاري، حيث حصد 97 مقعداً في مجلس النواب، متفوقاً بذلك على غريميه؛ حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. إن هذا التحول يعكس نضجاً في التعاطي مع القيادات النسائية، وقبولاً شعبياً ومؤسساتياً لقدرة المرأة على إدارة الشأن العام في أعلى مستوياته وأعقدها.
ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بقوة اليوم أمام هذا الحدث التاريخي: هل ستشكل التجربة المغربية نقطة تحول حقيقية تتخذها باقي بلدان المنطقة كنموذج يُحتذى به؟
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في بلد مغاربي يمثل اختراقاً حقيقياً لجدار طالما اعتبر في عرف السياسة العربية والمغاربية حكراً على الرجال. ونجاح السيدة المنصوري في مهمتها وتدبيرها للتحالفات الحكومية والملفات الاقتصادية والاجتماعية، قد يشكل "تأثير الدومينو" الذي سيشجع النخب السياسية والمجتمعات في دول الجوار على إعادة النظر في تمثيل المرأة في الهرم القيادي، وتجاوز حاجز "الكوتا" أو الحقائب الوزارية التقليدية نحو القيادة الفعلية للسلطة التنفيذية.
وإذا ما أسقطنا هذا التحول الإقليمي على واقعنا في بلدنا موريتانيا، فإننا نجد أنفسنا أمام فرصة حقيقية للتأمل. لقد أثبتت المرأة الموريتانية، عبر محطات تاريخية وسياسية متعددة، كفاءتها وحضورها القوي، فكانت حاضرة بقوة في البرلمان، وتولت حقائب وزارية وازنة، وأثبتت جدارتها في مختلف مراكز صنع القرار وميادين العمل الدبلوماسي والإداري. إلا أن الوصول إلى منصب الوزير الأول لا يزال يمثل خطوة تنتظر التحقق في مسار التمكين السياسي للمرأة الموريتانية.
إن ما حدث في الجارة المغرب يبعث برسالة واضحة مفادها أن الكفاءة القيادية لا ترتبط بجنس، وأن الساحة السياسية المغاربية باتت جاهزة لتقبل قيادات نسائية في الصف الأول. وهو ما يجعلنا نتساءل: متى نرى في موريتانيا حكومة تقودها شخصية نسائية وطنية، تترجم التراكم الإيجابي لمشاركة المرأة الموريتانية في الشأن العام إلى واقع تنفيذي ملموس؟
في الختام، تبقى عيون المتابعين في المنطقة،شاخصة نحو الرباط لمراقبة أداء أول حكومة مغربية تقودها امرأة. إن نجاح هذه التجربة لن يُحسب للمغرب وحده، بل سيكون انتصاراً سياسياً واجتماعياً يمهد الطريق نحو تغيير جذري في الثقافة السياسية الإقليمية، وربما يكون الحافز الأكبر الذي سيعجل برؤية كفاءات نسائية تتقلد ذات المنصب في دولتنا ودول الجوار في المستقبل القريب. الأيام وحدها كفيلة بأن تثبت ما إذا كانت هذه الخطوة استثناءً مغربياً، أم بداية لنهج جديد سيعم المنطقة بأسرها.
بقلم: محمد المختار محمد لفظيل




