موريتانيا على عتبة النادي النووي: مشروع "تيريس" بين التحديات التمويلية وصراع النفوذ العالمي

2. أكتوبر 2026 - 7:25

​تتجه أنظار أسواق الطاقة العالمية نحو موريتانيا التي تقترب بخطى حثيثة من دخول نادي مصدري اليورانيوم على نطاق تجاري، عبر مشروع "تيريس" الذي تقوده شركة "أورا إنرجي" المدرجة في بورصتي لندن وسيدني. ويأتي هذا التطور في توقيت استثنائي تعاد فيه صياغة خريطة العرض الإفريقي للموارد الاستراتيجية، وسط توقعات بتضاعف احتياجات المفاعلات النووية العالمية لتتجاوز 150 ألف طن بحلول عام 2040، في ظل سعي محموم لتأمين مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات.
​إعادة هيكلة "أورا إنرجي" وسباق الأمتار الأخيرة
​لضمان الانتقال السلس من مرحلة الاستكشاف إلى التشييد الفعلي، أجرت "أورا إنرجي" مؤخراً تغييرات هيكلية واسعة على فريقها القيادي. وقد شملت التعيينات الجديدة خبراء متمرسين في التمويل وتطوير المناجم، حيث تولى جون كار رئاسة الشركة، مدعوماً بسبنسر ديفي كمدير مالي، وجيريمي كارتر كمدير للاستراتيجية. وتُعلق الإدارة آمالاً عريضة على دراسة الجدوى المصرفية المرتقبة لتأكيد تكلفة التطوير، المقدرة مبدئياً بـ 230 مليون دولار، بهدف تحويل المحادثات الجارية مع المقرضين إلى التزامات مالية قطعية.
​وعلى الصعيد الميداني، عززت الشركة حضورها المحلي بإسناد إدارة أنشطتها لوزير النفط والمعادن الموريتاني السابق، محمد المختار محمد الحسن، عبر شركة "تيريس ريسورس" المملوكة بنسبة 85% لـ"أورا" و15% للدولة الموريتانية. وفي منطقة بير أم اكرين، تتسارع وتيرة العمل لإنجاز محطة معالجة تجريبية لاختبار الخامات المعدنية وتأكيد كفاءة تقنيات الاستخلاص، تمهيداً للانتقال إلى الإنتاج التجاري.
​وتواجه الشركة ضغوطاً مالية وزمنية متزامنة؛ فمن جهة، تراجعت سيولتها النقدية إلى نحو 9.8 مليون يورو، مما يحتم عليها تأمين تمويلات إضافية بحلول الربع الأخير من عام 2026. ومن جهة أخرى، يسارع المشروع الزمن للتوافق مع قانون المعادن الموريتاني الذي يفرض بدء التطوير خلال مهلة محددة، وهو ما يتطلب تنسيقاً دقيقاً مع السلطات الموريتانية لبلورة جدول زمني معدل يضمن عدم تعارض المهل القانونية مع قرار الاستثمار النهائي.
​عوائد سيادية وتنمية مناطقية شاملة
​لا يقتصر مشروع "تيريس" على كونه استثماراً تعدينياً تقليدياً، بل يمثل رافعة اقتصادية واعدة لموريتانيا. فعلى مستوى الاقتصاد الكلي، سيلعب المنجم دوراً حاسماً في تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الارتهان لتقلبات أسعار الحديد والذهب والنحاس. وتضمن الاتفاقيات المبرمة احتفاظ الخزينة الموريتانية بحصة 15% من المشروع، مع توفر خيار لزيادتها بنسبة 5% إضافية، مما يوفر تدفقات مالية سيادية مستدامة بمجرد بدء التصدير.
​وقد كشفت المؤشرات المالية المحدثة للمشروع عن جاذبية اقتصادية استثنائية، إثر تمديد العمر الافتراضي للمنجم إلى 25 عاماً. وقفزت القيمة الحالية الصافية للمشروع بنسبة 29% لتبلغ نحو 499 مليون دولار، بمعدل عائد داخلي يصل إلى 39%. وصُمم المشروع بقدرة إنتاجية أولية تبلغ مليوني رطل من أكسيد اليورانيوم سنوياً (نحو 770 طناً)، مع دراسة خطط توسعية مستقبلية قد تضاعف هذا الرقم، ليرتفع حجم الإنتاج الإجمالي المتوقع إلى 91.3 مليون رطل على مدار عمر المشروع.
​وسينعكس هذا الزخم الاستثماري بشكل مباشر على التنمية في الشمال الموريتاني، بدءاً من تطوير البنية التحتية، مروراً بالاستغلال المستدام للموارد المائية في حوض "تودني"، وصولاً إلى خلق مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط قطاعات الخدمات واللوجستيات في المنطقة.
​التنافس الجيوسياسي.. إفريقيا في عين العاصفة
​يتزامن الصعود الموريتاني في قطاع اليورانيوم مع استقطاب جيوسياسي حاد على الموارد الإفريقية. فقد أدى تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في منطقة الساحل، خاصة بعد التحولات السياسية في النيجر، إلى دفع القوى الكبرى للبحث عن بدائل أكثر استقراراً.
​وتسعى الولايات المتحدة لسد هذا الفراغ عبر "دبلوماسية التمويل"، وهو ما يتجلى في المباحثات التي تجريها مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) لتقديم قرض ممتاز تتراوح قيمته بين 150 و170 مليون دولار لدعم مشروع "تيريس"، في محاولة لضمان إمدادات آمنة لأوروبا والغرب. في المقابل، تواصل الصين زحفها الاستثماري الهادئ، محكمةً قبضتها على مفاصل الإنتاج في ناميبيا عبر صفقات استحواذ ضخمة وعقود شراء احتكارية طويلة الأجل، بينما تستغل روسيا "البوابة الأمنية" لترسيخ نفوذها الاقتصادي والسيطرة على مناجم استراتيجية في دول إفريقية أخرى.
​وأمام هذا التزاحم الدولي، تجد موريتانيا نفسها في موقع تفاوضي متميز. فمن خلال تبني استراتيجية مبنية على الاستقرار السياسي وجاذبية مناخ الأعمال، يمكن لنواكشوط استثمار هذا التنافس المحموم لانتزاع شروط تعاقدية وتنموية أفضل، وتأمين نقل التكنولوجيا، وتكريس مكانتها كفاعل استراتيجي موثوق في معادلة الطاقة العالمية الجديدة.

إعلانات