بين سلطة القانون وشبح "الإخفاء القسري".. النائب العيد ولد محمدن يضع النيابة العامة أمام مسؤولياتها

2. أكتوبر 2026 - 21:41

في ظل النقاشات الدائرة حول مساطر التوقيف وضمانات الحريات الفردية في موريتانيا، برز موقف قانوني وحقوقي لافت للنائب والمحامي العيد ولد محمدن، دق فيه ناقوس الخطر حول الخيط الرفيع الذي يفصل بين الاعتقال القانوني السليم، وما يصنفه الفقه الجنائي كـ"إخفاء قسري".
​لقد سلطت تدوينة نشرها النائب على حسابه الرسمي في منصة "فيسبوك" الضوء على جوهر أزمة العدالة التي طالما أرّقت الحقوقيين، والمتمثلة في الفجوة العميقة بين النصوص التشريعية المكتوبة والواقع العملي في مخافر التوقيف.
​انطلق الأستاذ العيد في مقاربته من قاعدة قانونية صلبة، تفيد بأن أي تقييد للحرية يجب أن يخضع لإجراءات محددة وصارمة أوجبها المشرع على السلطة الآمرة بالاعتقال. وأكد بعبارات واضحة أن تجاوز هذه الإجراءات أو الالتفاف عليها، لا يجعل الاعتقال تعسفياً فحسب، بل يجرده من أي مشروعية ليحكم عليه بـ"البطلان المطلق". وفي هذه النقطة الحرجة، يتغير التكييف القانوني للفعل من مجرد توقيف تحفظي إلى "إخفاء قسري"؛ وهو انتهاك جسيم تجرمه وتتصدى له كافة المواثيق الدولية والقوانين الوطنية.
​ولتوضيح معالم الاعتقال القانوني، استعرض النائب في تدوينته أبرز الواجبات الملزمة للسلطات عند توقيف أي مواطن، والتي تمثل الحد الأدنى لضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، وتتجلى في أربع ركائز أساسية يجب أن تُحترم فور تقييد حرية المشتبه به:
​أولاً: إخباره فوراً بالوقائع والشبهات المنسوبة إليه، ليكون على بينة من أسباب توقيفه.
​ثانياً: إبلاغ أسرته، أو أي شخصٍ يختاره المعتقل، بمكان احتجازه لضمان عدم انقطاعه عن محيطه الخارجي.
​ثالثاً: إعلامه بحقه المطلق في الاتصال بمحامٍ يختاره للدفاع عنه ومؤازرته في هذه المرحلة الحساسة.
​رابعاً: الاستجابة لطلبه في العرض على طبيب مختص متى ما دعت الحاجة إلى ذلك.
​وفي نقد صريح للواقع الإجرائي، شدد النائب على أن العبرة ليست في الترسانة القانونية، ولا في المصادقة على القوانين الرنانة؛ فالقوانين تُفرّغ من محتواها وتفقد غايتها النبيلة إذا لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي.
​وبناءً على هذه المعطيات، وجه المحامي العيد ولد محمدن عبر صفحته مطالبة صريحة للنيابة العامة —بصفتها خصماً شريفاً والساهرة على التطبيق السليم للقانون— بضرورة التدخل العاجل لفرض الاحترام الفوري لمقتضيات المسطرة الجنائية. وطالب بتمكين جميع الموقوفين من حقوقهم القانونية كاملة غير منقوصة، خاتماً تدوينته بعبارة بليغة تلخص جوهر دولة المؤسسات والإنصاف: "وبه يكون العدل".
​إن هذه الدعوة تضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بتكريس دولة القانون، وتؤكد مجدداً أن العدالة لا تستقيم إلا باحترام الإجراءات، وأن حرية الإنسان وكرامته هما الخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه تحت أي ذريعة.

إعلانات