ولد بوحبيني يفتح النار: الديمقراطية ليست صناديق.. وأين أثر المليارات على المواطن؟

13. أكتوبر 2026 - 19:40

​نواكشوط — موريتانيا الحدث
​في مداخلة اتسمت بالجرأة والعمق التحليلي وشخّصت الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد، قدّم نقيب المحامين السابق ورئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان سابقا، الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني، رؤية نقدية استشرافية لواقع التنمية في موريتانيا، مؤكداً أن جوهر الديمقراطية لا يكمن في الشكليات والمؤسسات، بل في انعكاسها المباشر على حياة المواطن البسيط وكرامته.
​الديمقراطية الحقة.. حين تُترجم السياسة إلى رغيف وكرامة
​استهل ولد بوحبيني طرحه بتفكيك المفاهيم السائدة حول الديمقراطية؛ حيث نبّه إلى أن العملية الانتخابية وتعدد الأحزاب والمؤسسات الدستورية، رغم أهميتها، لا تمثل سوى الإطار الخارجي للحكم. أما الغاية الكبرى والرهان الفعلي للديمقراطية، فيكمنان في تحسين الظروف المعيشية للشعب. فالناخب لا يقف في طوابير الاقتراع تقديساً للصناديق، وإنما تفويضاً لمن يملك القدرة على تغيير واقعه؛ وحين تعجز العملية السياسية عن تحسين ظروف الناس اليومية، تفقد الديمقراطية بريقها ومعناها في وجدان الشارع.
​فجوة الإنجاز والأثر.. أرقام على الورق ومعاناة في الواقع
​وفي مقاربة اقتصادية لافتة، ميّز نقيب المحامين السابق بين مفهومين جوهريين: «المخرجات المادية المنجزة» (Output) و«الأثر الفعلي المستدام»
وأوضح أن الحديث الرسمي عن تشييد مئات الكيلومترات من الطرق المعبدة، وضخ الاستثمارات في الطاقة والمياه، وزيادة اكتتاب الكوادر في قطاعي الصحة والتعليم، يمثل إنجازات مادية لا ينكرها أحد.
​غير أن السؤال الذي يفرضه الضمير الوطني — وفق ولد بوحبيني — هو: ما هو العائد الملموس لهذه المشاريع على يوميات المواطن؟
​هل خفضت الطرق تكلفة المعيشة وأنعشت التبادل التجاري؟
​وهل أنهت المحطات وأنابيب المياه انقطاعات الكهرباء وعطش القرى والمدن؟
​وهل لمس المواطن تحسناً حقيقياً في جودة التطبيب والتعليم؟
​واستند المتحدث في قراءته إلى جولاته الميدانية ومخالطته المباشرة للشرائح الاجتماعية في مختلف ولايات الوطن؛ مؤكداً أنه أينما حل، يجد المواطنين يرفعون نفس المطالب الأساسية المتعلقة بخدمات الماء، والكهرباء، والصحة، والتعليم، مما يكشف عن انفصام بيّن بين ما يُضخ من ميزانيات وما يتحقق على أرض الواقع.
​تحذير من التصدع الاجتماعي: شباب معطل ومتقاعدون في مهب الحاجة
​ورسم ولد بوحبيني لوحة قاتمة للتحديات البنيوية التي تواجه المجتمع، واضعاً يده على مكمن الخطر:
​طاقات شبابية مهدورة: يمثل الشباب أغلبية الشعب ومستقبله، بيد أن غالبيتهم الساحقة تعاني من شبح البطالة وغياب الفرص، مما يهدد بنسف أي أمل في بناء مستقبل واعد.
​شريحة المتقاعدين: فئات عريضة أفنت زهرة شبابها في خدمة الدولة، لتجد نفسها عند نهاية الخدمة تعاني شظف العيش وغياب الأمان المالي.
​غياب الطبقة الوسطى: نبّه المتحدث إلى اندثار «الطبقة الوسطى» التي تعد صمام الأمان لأي مجتمع والمحرك الفعلي للتنمية؛ لافتاً إلى أن شبكات الأمان الاجتماعي وبرامج الدعم المؤقتة — رغم نبل غايتها — لم تفلح في انتشال الأسر من قاع الفقر انتشالاً نهائياً ومستداماً، وهو وضع غير مبرر في بلد يزخر بالثروات الطبيعية ولا يتجاوز تعداده بضعة ملايين نسمة.
​نحو نموذج تنموي تشاركي وتفجير طاقات القطاع الخاص
​وللخروج من هذه الحلقة المفرغة، دعا الأستاذ ولد بوحبيني إلى تبني «نموذج تنموي وتشاركي شامل» يُحدد بوضوح من أين تُخلق الثروة وكيف تُوزع بعدالة. وشدد على ضرورة مغادرة خنادق الاستقطاب السياسي الضيق بين «الموالاة والمعارضة»، مؤكداً أن الجميع في سفينة واحدة اسمها «موريتانيا»، وأن إبراز مواطن الخلل ليس استهدافاً لأي طرف، بل واجب وطني مسؤول لتصحيح المسار.
​واختتم مداخلته بتحديد أولويات المرحلة المقبلة:
​تجاوز سياسة التوظيف الإداري: إدراك أن الوظيفة العمومية لا تحارب الفقر ولا تخلق الثروة، بل ترهق الإدارة وتثقل كاهلها.
​تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs): فتح أبواب التمويل البنكي أمام الشباب وأصحاب المبادرات، وتدخل الدولة عبر صناديق الضمان وآليات إعادة التمويل لدى البنك المركزي، على غرار التجارب الناجحة في دول الجوار.
​التركيز على القطاعات ذات الأولوية: توجيه الاستثمارات والقروض نحو القطاعات الإنتاجية الاستراتيجية كالصيد، والزراعة، والتنمية الحيوانية، لضمان نهضة اقتصادية ميكانيكية تُذيب الفوارق الطبقية وتغني المجتمع عن برامج الإغاثة الدائمة.

إعلانات