ابرز ما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك للرئسين غزواني وماكرون

15. أبريل 2026 - 20:05

عقد فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء اليوم الأربعاء في قصر الإليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس، مؤتمرا صحفيا مشتركا مع نظيره الفرنسي، السيد إيمانويل ماكرون، وذلك في إطار زيارة الدولة التي يقوم بها إلى فرنسا.

وأعرب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في كلمته، عن بالغ امتنانه لنظيره الفرنسي، فخامة السيد إيمانويل ماكرون، على الدعوة الكريمة لزيارة فرنسا في إطار زيارة دولة، مؤكدا أن هذه الزيارة تعكس بوضوح عمق ومتانة العلاقات التي تجمع البلدين.

وفيما يلي نص كلمة فخامة رئيس الجمهورية:
"أولا، لا تسعفني الكلمات لشكركم على هذه الدعوة التي وجهتموها لي للمجيء هنا في زيارة دولة، وفي الواقع فإن هذه الزيارة، التي تأتي استجابة لهذه الدعوة، تعكس بجلاء عمق العلاقات بين موريتانيا وفرنسا، وبالتأكيد توفر لنا ولكم ولوفدينا المرافقين فرصة كبيرة ستمكننا من إعطاء دفعة جديدة لعلاقات الصداقة والتعاون، من أجل تعزيزها في إطار شراكة مثمرة لكلينا.
وأنا جد سعيد، سيدي الرئيس، بزيارة الدولة هذه، وأود أن أعبر لكم عن خالص شكري على الحفاوة الاستثنائية التي كنا موضعا لها.

تعكس هذه الزيارة بما لا يدع مجالا للشك صلابة وعمق علاقات الثقة التي تجمع موريتانيا وفرنسا.
سيدي الرئيس،

لقد اختار بلدنا الثبات في شراكاته، وهذا الثبات هو ما يفسر الجودة النموذجية لعلاقاتنا الثنائية، سيدي الرئيس، والتي أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى ثمينة في سياق دولي يتسم بعدم اليقين.

سيدي الرئيس، يشكل هذا اللقاء مناسبة مهمة لتعميق حوارنا حول مجمل القضايا التي تشغلنا: وضعية وآفاق تعاوننا، والوضع الأمني في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، إضافة إلى التوترات والأزمات التي يشهدها العالم حاليا.

وإننا نثمن المستوى الممتاز لتعاوننا، والذي يتجلى خاصة في التحسن الملحوظ للتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية، حيث يبلغ حجم محفظتها الحالية 428 مليون يورو وتشمل 42 مشروعا تغطي قطاعات الزراعة والطاقة والمياه وغيرها من المجالات، كما بلغ مستوى القروض الميسرة من الخزينة الفرنسية حوالي 80 مليون يورو، إضافة إلى ضمانات بقيمة 40 مليون يورو لصالح ثلاث بنوك موريتانية خصوصية، وقد ثمنا كذلك تنظيم المنتدى الاقتصادي الفرنسي-الموريتاني، في نوفمبر الماضي بحضور وزير التجارة الفرنسي.

سيدي الرئيس، يزخر بلدنا بمشاريع واعدة، لا سيما بفضل مواردنا من الغاز والمعادن والتقنيات الجديدة، كما نمتلك إمكانات كبيرة في قطاعات بلغت مرحلة النضج، وخاصة الزراعة والثروة الحيوانية، وتتوجه سياستنا الاقتصادية نحو التنويع.

وأود أن أؤكد لكم، سيدي الرئيس، تمسكنا القوي والتزامنا الراسخ بتعزيز شراكتنا الاستراتيجية، ونعول في ذلك على فرنسا، وعلى خبرتها وريادتها الدولية وثقلها داخل الاتحاد الأوروبي، لتمكيننا من التقدم بوتيرة أسرع، كما نعتمد على حيوية القطاع الخاص الفرنسي وعلى استمرارية الدعم والمساندة التي ما فتئت فرنسا تقدمها لبلادنا، ونقترح في هذا الإطار تعزيز إطار تعاوننا من خلال آلية مؤسسية خاصة وملائمة لضمان دفع متواصل وتقييم دوري لأعمالنا المشتركة.

سيدي الرئيس، تبقى المسألة الأمنية في منطقة الساحل أولوية كبرى، وقد اختارت موريتانيا مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية وحضور الدولة والحوار، مما مكننا من الحفاظ على استقرار نسبي في بيئة شديدة الهشاشة.

ونحن مستعدون بطبيعة الحال لمواصلة وتعزيز تعاوننا مع فرنسا، التي ظلت دائما شريكا ملتزما في المنطقة، رغم تقديمها تضحيات كبيرة في بعض الأحيان، غير أن المعطيات الميدانية ودينامية الوضع في الساحل الأوسط تشير إلى أن خطر تفاقم الأزمة أو توسعها جغرافيا لا يمكن استبعاده، وستكون عواقب ذلك كارثية على المنطقة بأسرها، كما ستؤثر بشكل كبير على أنماط الهجرة العالمية.

وتمثل الهجرة غير النظامية في الساحل، وخاصة في موريتانيا، تحديا كبيرا نواجهه بدعم من الاتحاد الأوروبي في إطار روح المسؤولية الجماعية، ويفوق الضغط الذي تمثله هذه الظاهرة على بلدنا بكثير قدراتنا الديمغرافية والاقتصادية واتساع أراضينا.

سيدي الرئيس، نواجه سياقا دوليا شديد الاضطراب، يتسم بتعدد الأزمات والتوترات الجيوسياسية والاضطرابات الاقتصادية، لا سيما المرتبطة بتداعيات الوضع في الشرق الأوسط، وسيمكننا هذا اللقاء بالتأكيد من مناقشة هذه القضايا، لأننا نرى أن التشاور بين الدول الصديقة في ظل هذه الأزمات لم يعد أمرا مرغوبا فحسب بل أصبح ضرورة ملحة.

وأنا سعيد اليوم بأن يكون هذا اللقاء فرصة لمناقشة هذا السياق المعقد بكل أبعاده.

وفي مواجهة هذه التحديات، اتخذت موريتانيا إجراءات لحماية الفئات الأكثر هشاشة والحفاظ على استقرارها الاقتصادي، غير أن هذه الجهود تتطلب دعما معززا من شركائنا، خاصة فرنسا والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، من أجل تعبئة استجابات استثنائية لظروف استثنائية.

وإلى جانب الاستجابة العاجلة، نرى ضرورة إطلاق تفكير معمّق حول الآثار طويلة المدى لهذه الأزمات التي تعيد تشكيل التوازنات العالمية وتستدعي ردودا جماعية ومسؤولة.

سيدي الرئيس، ما زلنا في بداية الأزمات المرتبطة بإمدادات المحروقات التي بدأت آثارها تمس الجميع، ونتوقع أن تتواصل تداعياتها. وتظل موريتانيا في هذا الإطار وفية لالتزامها بالتعددية والقانون الدولي وبمبدأ تسوية النزاعات بالطرق السلمية؛ فنحن نعتقد أن العالم بدون قواعد مشتركة مهدد بالانزلاق نحو عدم الاستقرار والظلم.

وفي هذا السياق، نحن مقتنعون بأن فرنسا وأوروبا، بفضل قيادتكم وتمسككم بالتعددية واحترام القانون الدولي، لهما دور أساسي في تعزيز نظام دولي أكثر توازنا وعدلا واستقرارًا.
شكرا لكم".

ومن جانبه، عبّر فخامة الرئيس الفرنسي، السيد إيمانويل ماكرون، عن اعتزازه باستقبال فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في إطار زيارة الدولة التي يؤديها حاليًا إلى فرنسا، مرفوقا بالسيدة الأولى وأعضاء الوفد المرافق.

وأشار الرئيس الفرنسي في كلمته، إلى أنه لمس عن قرب عزيمة فخامة رئيس الجمهورية في العمل، وشجاعته في مواجهة أصعب الظروف، مشيدا بما يتحلى به من إرادة قوية في تسيير شؤون بلاده.

وفيما يلي نص كلمة الرئيس الفرنسي:
"شكرا لكم جميعا على حضوركم معنا اليوم،
فخامة الرئيس، الإخوة الأعزاء،
إنه لشرف لفرنسا أن تستقبلكم في باريس في إطار زيارة الدولة التي تبعث برسالة واضحة، رسالة صداقة وثقة في عالم يتغير بسرعة.

تأتي هذه الزيارة، وهي الأولى بهذا المستوى منذ أكثر من 30 عاما، في وقت أصبحت فيه مسؤولياتنا المشتركة أكبر من أي وقت مضى.

تُعدّ موريتانيا شريكا أساسيا لفرنسا، سواء بحكم موقعها الجغرافي عند تقاطع العالم العربي وإفريقيا، أو من خلال ميزاتها المتعددة والمتمثلة في الاستقرار والحوار والسيادة. كما يتجلى هذا الدور في موقعها ضمن منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات عميقة.

وفي هذا السياق، تُبرهن موريتانيا أنه في مواجهة هذه التحديات، يمكن اتباع مسار قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية، وأود هنا أن أشيد بكل تقدير، فخامة الرئيس، بجهودكم في هذا المجال.

أمام الأزمات، وأمام الإرهاب، وأمام الاتجار غير المشروع والتأثيرات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف الدول، فإننا نختار معا نهج الشراكة، واحترام السيادة، والعمل المشترك لدعم جهود دول المنطقة وتجنب مزيد من زعزعة الاستقرار.

وفي عالم يشهد عودة منطق القوة وتنحصر فيه التعددية، تدافع موريتانيا وفرنسا عن مسار واضح، قائم على نظام دولي يرتكز على القواعد، والتعاون، والاحترام المتبادل، والتوازن.

تمتاز موريتانيا بمكانتها وصوتها المسموع في كل أنحاء إفريقيا، وفي العالم العربي، ومع أوروبا، وفي المحافل الدولية، لا سيما داخل الفضاء الفرنكوفوني. ونتقاسم مواقف قوية تجاه التحديات الكبرى المعاصرة: المناخ، وحماية المحيطات، والأمن الغذائي، إضافة إلى ضرورة إعادة التوازن للاقتصاد العالمي بما يمنح القارة الإفريقية مكانتها المستحقة.

كما أن هذه العلاقة الاستراتيجية ينبغي أن تُترجم إلى نتائج ملموسة، وهو ما يفسر تعزيز شراكتنا الاقتصادية، فموريتانيا اليوم بلد فرص، وشركاتنا حاضرة بالفعل، وتتيح فرص العمل وتستثمر في كل المجالات.

ومن بين هذه الشركات، شركة ميريديان التي استثمرت 155 مليون يورو في بناء محطة الحاويات بميناء نواكشوط، وتوظف قرابة 350 موريتانيا، كما تنشط نحو 40 شركة فرنسية توظف أكثر من 2000 موريتاني وموريتانية.

لكننا نطمح إلى المضي قدما بشكل أسرع وأكثر تنظيما، وهذا أيضا من أهداف هذه الزيارة.

في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والزراعة، ومدن المستقبل، تقع على عاتقنا مسؤوليات مشتركة، تتمثل في دعم تنمية اقتصاد مولّدٍ لفرص العمل وقادر على تلبية تطلعات الشباب.

وفي هذا الإطار، يسعدني الإشارة إلى أن مشروعا تقوده شركة فرنسية، بفضل قرض ميسر من الخزينة الفرنسية، سيمكن من زيادة القدرة الإنتاجية بنسبة 50% لتزويد نواكشوط بالماء الصالح للشرب.

وفي نفس السياق، سيساهم تحويل 10 محطات حرارية إلى نظام هجين، بتمويل يقارب 40 مليون يورو، في بناء نظام كهربائي أكثر استدامة ومرونة.

وفي وقت يشهد فيه العالم تراجعا في الالتزام الدولي ونزعة نحو الانغلاق، اختارت فرنسا أيضا عدم التخلي عن التضامن، ففي حين أغلقت بعض الدول الشريكة وكالاتها للتعاون خلال العامين الماضيين، قمنا نحن بمضاعفة محفظة مشاريعنا، لا سيما عبر أنشطة الوكالة الفرنسية للتنمية، ويتجلّى هذا الالتزام بوضوح في دعم الجهود الكبيرة التي تبذلها السلطات الموريتانية لاستقبال أكثر من 300 ألف لاجئ في شرق البلاد.

وأودّ أن أعبّر لكم عن تقديري العميق لما يمثّله هذا العبء بالنسبة لبلدكم، وأن أحيّي في هذا السياق حسّكم العالي بالمسؤولية.

الرسالة واضحة: في مواجهة التحديات والاختلالات على المستويين الإقليمي والعالمي، فإن موريتانيا ليست وحدها، وستظل فرنسا إلى جانبها، من خلال شركاتها، وتمويلاتها، وأدواتها التنموية. وفي هذا الإطار يندرج أيضا منتدى الأعمال الذي ستشرفون على افتتاحه خلال الأيام المقبلة.

وأخيرا، سيادة الرئيس، فإن زيارتكم إلى بريست لمناقشة قضايا الاقتصاد الأزرق والأمن البحري، ولقاءنا المرتقب بعد أسابيع في نيروبي في إطار قمة “Africa Forward”، يعكسان طموحا أوسع يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين بلدينا، وبين فرنسا والقارة الإفريقية، على أسس جديدة؛ علاقة ترتكز على الاستثمار، والابتكار، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المجتمع المدني؛ علاقة تُدرك أبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بكل وضوح.

إن على عاتقنا مسؤولية تاريخية تقتضي ألا نكون مجرد متلقّين لتحولات العالم، بل فاعلين مؤثرين فيها. ويعتزم بلدانا الاضطلاع بهذه المسؤولية معًا. وخلال السنوات الماضية، تعزّزت معرفتنا المتبادلة وتوطدت أواصر الثقة بيننا.

لقد لمستُ عن قرب عزيمتكم في العمل، وشجاعتكم في مواجهة أصعب الظروف، ويسعدني، يا سيادة الرئيس، ويشرّفني أن أرحّب بكم اليوم في هذه الزيارة، برفقة السيدة الأولى، وأعضاء الحكومة، والوفد الكريم.

سيادة الرئيس، شكرا لثقتكم، وللصداقة التي تجمعكم بفرنسا، ولهذه الصفحة الجديدة التي نخطّها معًا.
شكرًا جزيلًا، سيادة الرئيس".

إعلانات