من التَّمييز إلى التَّميُّـز / الدكتور هارون إديقبي

12. يوليو 2026 - 16:41

من التَّمييز إلى التَّميُّـز
[مقاربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في تمكين
المهمشين (#الزامكين).

ظلّ ملف التفاوت الاجتماعي (#الزَّمْكَة) منذ الاستقلال، أحد أكثر الملفات تعقيدًا في موريتانيا، ليس فقط لما يحمله من أبعاد تاريخية، وإنما أيضًا لما يطرحه من تحديات تنموية وسياسية تتعلق ببناء دولة المواطنة والمساواة.
وقد تعاقبت الأنظمة على تبني سياسات مختلفة لمعالجة هذه الاختلالات، إلا أن نتائجها ظلت محدودة، لأنها غالبًا ما تنحصر بين المقاربة القانونية أو التدخلات الاجتماعية الظرفية، دون أن تتحول إلى رؤية متكاملة تعالج جذور المشكلة.

مع وصول صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم سنة 2019، برزت مقاربة مختلفة تقوم على الانتقال من منطق التمييز إلى منطق التميز؛ أي من معالجة آثار التهميش و (#الزَّمْكة) عبر إجراءات استثنائية، إلى بناء مجتمع تكون فيه الكفاءة والتعليم والتمكين الاقتصادي و السياسي هي أدوات الارتقاء الاجتماعي.

فالفكرة لم تعد أن تُمنح فئة امتيازات دائمة، بل أن تُزال العوائق التي تحول دون تكافؤ الفرص، حتى يصبح جميع المواطنين قادرين على المنافسة في ظل دولة القانون.

وقد تجسدت هذه الرؤية في توسيع برامج الحماية الاجتماعية التي تنفذها الدولة، والتي أصبحت أحد أهم أدوات السياسة الاجتماعية. فقد توسعت برامج التحويلات النقدية، ودعم الأسر الهشة، والتأمين الصحي، وتمويل الأنشطة المدرة للدخل، والاستثمار في التعليم المدرسي الجمهوري الذي مكن من انتاج "جيل التّميُّز" والتكوين المهني الذي مكّن مئات الآلاف من الأسر من تحسين ظروفها المعيشية (مشروعي مستقبلي) ،وفي موازاة ذلك، شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في الاستثمارات العمومية الموجهة إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية في المناطق الأقل حظًا، من خلال بناء المدارس، والمراكز الصحية، وشبكات المياه والكهرباء، والطرق، بما يسهم في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية التي ظلت لعقود تغذي الإحساس بالتهميش.

أما في مجال المشاركة في إدارة الشأن العام، فقد اتجهت الدولة إلى توسيع حضور الكفاءات الوطنية من مختلف المكونات الاجتماعية في الحكومة، والإدارة، والمؤسسات العمومية، والسلطات الإدارية المستقلة، والسلك الدبلوماسي، وهو ما يعكس إرادة في جعل الكفاءة معيارًا للتكليف بالمسؤولية، مع الحرص على أن تعكس مؤسسات الدولة التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني.

وفي هذا الاطار يتنزل النسق الجديد لتنفيذ المسابقات الوطنية المتسم بشفافية أفرزت تنوعا مشهودا, والترسيخ الفعلي للمسار الرقمي الذي يعد رافعة أساسية اليوم ، كما واصلت الدولة تعزيز المنظومة القانونية والمؤسسية لمحاربة العبودية ومخلفاتها، ودعم القضاء والهيئات المختصة بتطبيق القوانين، إدراكًا منها أن إنهاء آثار الاستعباد لا يتحقق بالعقوبات القانونية وحدها، بل يتطلب أيضًا تمكينًا اقتصاديًا وتعليميًا يفتح آفاقًا جديدة أمام الأجيال الصاعدة.

إن الانتقال من التمييز إلى التميز ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل يمثل تحولًا في فلسفة الدولة نفسها؛ فبدل أن يكون المواطن أسيرًا لماضيه الاجتماعي، يصبح مستقبلُه مرهونًا بعلمه وعمله وقدرته على الإبداع. وبهذا المعنى، فإن العدالة الاجتماعية لا تعني توزيع الامتيازات، بل تعني إزالة أسباب الحرمان، وتوفير فرص متساوية للجميع، حتى تصبح الكفاءة وحدها هي معيار التقدم. وبهذا المعنى، يصبح التميز الاجتماعي تتويجًا للعدالة، وليس بديلًا عنها.

لقد اختارت موريتانيا، في ظل هذه المقاربة، أن تجعل الاستثمار في الإنسان أساسًا للتنمية، وأن تنظر إلى المهمشين (#الزامكين) وغيرهم باعتبارهم شركاء متساوين في بناء الوطن.

وإذا استمر هذا النهج وتعزز بالإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، فإن الانتقال من التمييز إلى التميز لن يبقى مجرد شعار، بل سيصبح واقعًا ينعكس على بنية المجتمع، ويؤسس لدولة أكثر عدالة، وأكثر اندماجًا، وأكثر قدرة على استثمار جميع طاقات أبنائها.

وما من شك أن موريتانيا، وهي تمضي في مسارها التنموي الحالي ، بحاجة إلى ترسيخ هذا النموذج الذي يجمع بين إنصاف الماضي وبناء المستقبل، حتى يصبح كل مواطن، مهما كان أصله أو بيئته، قادرًا على أن يصل إلى أعلى مراتب المسؤولية بعلمه وكفاءته واجتهاده.

فالدول القوية لا تُبنى على الامتيازات الدائمة، وإنما على تكافؤ الفرص، والعدالة، وإطلاق طاقات جميع أبنائها دون استثناء ، وكل خطوة تقطع في هذا الاتجاه ستسهم في قمع #الدهرية وتكبح عتاة #الدهريين،و تقضي على الانتهازية السياسية و الاجتماعية التي يسيتفيد منها المحنطون الديماغوجيون الذين يتشبثون بالمسرح رغم عزوف الجمهور الوطني عن رقصات الموت التي يؤدون.

لقد آن لنا أن نغادر مقاربة التمييز الإيجابي، التي فرضتها ظروف تاريخية محددة، إلى مقاربة أكثر استدامة وفاعلية هي التميُّز الاجتماعي؛ مقاربة تجعل من التعليم، والكفاءة، والعمل، والتمكين، وتكافؤ الفرص، الأساس الحقيقي للارتقاء.

فغاية الدولة ليست أن تُنشئ امتيازات دائمة لفئة دون أخرى، وإنما أن تزيل العوائق والعقبات التي تحول دون مشاركة جميع المواطنين على قدم المساواة في بناء الوطن.

ولن يكون ذلك إلا بهذه المقاربة التي تجتمع بين البعد التاريخي (التمييز)، والبعد المستقبلي (التميُّز).

إعلانات