
لم يعد الوجود الموريتاني في بلدان المهجر—خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا—مجرد أرقام تُحصى في سجلات الهجرة، بل بات يمثل ثقلاً حيوياً يفرض الانتقال الحاسم من مجرد "التواجد العددي" إلى بناء "قوة منظمة ومؤثرة".
ولعل ما يلفت الانتباه ويدعو للتأمل هو ما عكسته تدوينة قيّمة لأحد أبناء جاليتنا القدماء؛ مغتربٍ عليم خبر دهاليز الغربة وعايش معاناتها عن قرب، حيث لخّص بألمٍ ووعيٍ عميقين حاجة المهاجر الموريتاني إلى سند مؤسسي يخرجه من وطأة العشوائية. وانطلاقاً من تلك التجربة الحية والشهادة الصادقة التي تشخص الوجع الحقيقي للمغترب، تتأكد حقيقة أن مأسسة هذا الحضور لم تعد ترفاً نخبوياً، بل ضرورة استراتيجية واجتماعية ملحة، ترتكز على محاور جوهرية:
أولاً: الدعم الاجتماعي والتحصين القانوني
تسريع الاندماج الإيجابي: توجيه القادمين الجدد لتجاوز صدمات البداية، واستيعاب منظومة القوانين والحياة العامة بما يضمن الحفاظ على الهوية دون عزلة.
الإرشاد القانوني والمؤسسي: إسناد المغتربين باستشارات تخصصية تسوي أوضاع الهجرة والإقامة وتراخيص العمل، حمايةً لحقوقهم وصوناً لكرامتهم في مواجهة تعقيدات الإجراءات.
شبكات التضامن والتكافل: ترسيخ ثقافة التعاضد التلقائي في الأزمات الطارئة (كالحالات الصحية الحرجة ونقل الجثامين)، وصون الهوية الثقافية الأصيلة عبر ملتقيات نوعية تربط الأجيال الناشئة بوطنها الأم.
ثانياً: التمكين الاقتصادي وبناء رافعة تنموية للوطن
تكامل الأعمال المحلي: تشجيع ريادة الأعمال والاستثمار البيني، وفتح مسارات التوظيف ونقل الخبرات المهنية والتجارية بين أبناء الجالية.
حوكمة التحويلات ومشاريع التنمية: الانتقال من التحويلات الاستهلاكية المحدودة إلى صناديق استثمارية وتنموية مستدامة، تُدار بكفاءة وشفافية لدعم الفئات الهشة والمساهمة في مشاريع إنتاجية داخل موريتانيا.
ثالثاً: الدبلوماسية الشعبية والضغط السياسي
بناء كتلة تأثير فاعلة: امتلاك أدوات العمل المدني المنظم القادر على محاورة الفاعلين ومراكز صنع القرار وصناع السياسات في الغرب؛ للتعريف بالثوابت الوطنية، والدفاع عن المصالح العليا لموريتانيا في المحافل الدولية.
رابعاً: استثمار العقول ورأس المال البشري
جسر الكفاءات الوطنية: حصر الطاقات الموريتانية المتميزة—من أكاديميين، وأطباء، وباحثين، ومهندسين، ورواد تكنولوجيا—وربطهم بالمؤسسات الوطنية، لتكون الجالية خزان أفكار يساهم بفاعلية في نقل المعرفة وبناء الوطن بروح تجمع بين أصالة الجذور وعصرنة المهجر.
إن صوت المعاناة الذي نقله المغترب المجرب يضعنا جميعاً أمام مسؤولية واضحة: تضافر هذه الجهود لا يصنع فقط جالية قوية ومحترمة حيث تُقيم، بل يجعل منها ذراعاً استراتيجية صلبة لنهضة موريتانيا وازدهارها.
بقلم: محمد المختار محمد لفظيل




