
في حقبة إقليمية تتقاطع فيها نُذُر الفوضى، وتتهاوى تحت وطأتها أركان دول مجاورة في فضاء الساحل الإفريقي بفعل الانقلابات وتمدد بؤر الإرهاب، لم يعد مفهوم "استقرار الدولة" مجرد ترف سياسي أو حالة دفاعية عابرة، بل غدا المؤشر الأوحد على مناعة الكيانات الوطنية وقدرتها على البقاء. وفي خضم هذا المحيط الإقليمي المشتعل بالأزمات، استطاعت موريتانيا أن تقدم نموذجاً استثنائياً في التماسك المؤسسي والهدوء السياسي؛ وهو إنجاز لم يولد من رحم المصادفة الجغرافية، بل تشكّل عبر رؤية استراتيجية واعية يقودها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، واضعاً البلاد في موقع الريادة والتحصين.
عبقرية المقاربة.. من الجاهزية الدفاعية إلى التهدئة الشاملة
إن إدراك البصمة القيادية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يستند بالأساس إلى تراكم خبرته العسكرية والأمنية النوعية، التي صاغت مبكراً عقيدة استباقية حمت الحدود الوطنية يوم كانت قوافل التطرف تعيث فساداً في المنطقة. إلا أن التحول الجوهري في عهده الرئاسي تمثل في توسيع هذه العقيدة لتتجاوز بعدها العسكري الصرف؛ حيث أدرك أن أمن الحدود لا يستقيم دون حماية الجبهة الداخلية وصون اللحمة الاجتماعية.
لقد دشّن الرئيس مرحلة جديدة قوامها التهدئة السياسية، ومد جسور التشاور مع كافة القوى الحية، وتفكيك بؤر التوتر؛ إيماناً بأن الانقسامات الأهلية وتآكل الثقة في المؤسسات هما الثغرة الأولى التي تنفذ منها رياح الفوضى. فتحولت موريتانيا بفضل هذا النهج من دولة تدير المخاطر إلى واحة حوار وتوافق ترسخ هيبة المؤسسات الدستورية.
ثنائية الأمن والعدالة الاجتماعية.. بناء المناعة الوطنية
تستند الفلسفة الحاكمة لمشروع الرئيس الغزواني إلى حقيقة تنموية جوهرية: لا أمن مستدام بلا عدالة اجتماعية، ولا تنمية ناجزة في غياب الاستقرار. ومن هنا، لم تكن برامج الدعم الاجتماعي الشامل، ومؤازرة الفئات الهشة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وتطوير شبكات الأمان التنموي مجرد تدخلات ظرفية لتخفيف الأعباء المعيشية، بل أدوات سيادية لترسيخ روح الانتماء والمواطنة، وردم الهوات التي طالما هددت النسيج المجتمعي. إن شعور المواطن البسيط بأن الدولة حاضنة لمستقبله وحامية لكرامته هو حجر الزاوية الحقيقي في تعزيز المناعة الجمعية ضد كل أشكال الاختراق.
التوازن الدبلوماسي وحضور الثقل السيادي
على الصعيد الخارجي، رسخ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مكانة بلاده كفاعل موثوق وشريك لا غنى عنه في إدارة ملفات الأمن والتنمية؛ ليس فقط في فضاء الساحل والمغرب العربي وغرب إفريقيا، بل على الساحة الدولية ككل. وانتهجت الدبلوماسية الموريتانية مبدأ التوازن الذكي وتنويع التحالفات، مما أتاح للبلاد الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني وسيادتها، وفي الوقت ذاته تعزيز موقعها التفاوضي كحزام أمان إقليمي يستقطب الشراكات النوعية والتعاون البنّاء.
أفق التحول الطاقوي.. تحويل الاستقرار إلى رافعة ازدهار
تدلف موريتانيا اليوم منعطفاً تاريخياً استثنائياً مع دخولها نادي الدول المصدرة للطاقة؛ مدفوعة بمشاريع الغاز الطبيعي والآفاق الهائلة لمصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وفي هذا المضمار، تثبت القيادة الوطنية أن امتلاك الموارد الطبيعية يظل رهيناً بوجود قيادة رشيدة تضمن استثمار هذه الثروات بشفافية وكفاءة، وتوجه عوائدها نحو بناء اقتصاد منتج ومستدام يُنصف الأجيال الصاعدة، ويخلق فرص العمل، ويحد من الارتهان للقطاعات الاستخراجية التقليدية.
إن ما تحقق تحت قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يتجاوز حماية البلاد من تداعيات زمن العواصف؛ إنه يضع اللبنات الراسخة لدولة حديثة وعادلة. ويبقى الرهان الموريتاني في هذه المرحلة التاريخية هو مواصلة البناء على هذا الرصيد الأمني والمؤسسي، لتحويل الطمأنينة الوطنية إلى نهضة اقتصادية شاملة تجعل من موريتانيا رقماً صعباً وقوة جذب واستقرار في القارة الإفريقية والعالم.
محمد المختار محمد لفظيل




